تاريخ السينما في الكويت من دار الشرقية إلى صالات IMAX

بدأت حكاية السينما في الكويت قبل أن تعرف البلاد المجمعات التجارية بعقود طويلة. أول ما التقطته الكاميرا من حياة الكويتيين كان مشاهد توثيقية للغوص والأسواق والفرجان القديمة، ثم جاءت عروض محدودة في صالة شركة نفط الكويت لموظفيها، وعروض خاصة في بيوت بعض الشيوخ والتجار، وأخرى في نادي المعلمين بالصالحية. لم تكن هذه العروض تجارية مفتوحة للجمهور، ولهذا يؤرخ أغلب الباحثين لبداية السينما في الكويت بافتتاح أول دار عرض تبيع التذاكر للناس. في هذا المقال نتتبع الرحلة كاملة، من الأفلام الوثائقية الأولى ودار الشرقية، مرورًا بفيلم «بس يا بحر» وسينما السيارات، حتى صالات IMAX وجيل المخرجين الشباب.

قبل دور العرض: الكاميرا توثّق الكويت القديمة

في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي صوّر الرحالة الأسترالي آلن فاليرز مشاهد عن رحلات الغوص وصيد اللؤلؤ وأحياء الكويت القديمة. جُمعت هذه اللقطات لاحقًا في فيلم «أبناء السندباد»، الذي لم يُعرض على الجمهور الكويتي إلا في ستينيات القرن الماضي، وصار اليوم من أثمن الوثائق البصرية عن الكويت قبل النفط.

ومع بدء تصدير النفط في أربعينيات القرن الماضي أنتجت شركة نفط الكويت أفلامًا تسجيلية عن بدايات الضخ من ميناء الأحمدي، منها فيلم «النفط في الكويت». وفي الفترة نفسها برز اسم محمد قبازرد، الذي يعدّه كثيرون أول مخرج كويتي، فقد كان من أوائل من امتلكوا كاميرا تصوير في البلاد، وأخرج فيلم «الكويت بين الأمس واليوم».

ودخلت الدولة على الخط مبكرًا. أنشأت دائرة المعارف، التي صارت لاحقًا وزارة التربية، قسمًا للسينما والتصوير أنتج نحو ستين فيلمًا تعليميًا وتسجيليًا. وفي مطلع الستينيات بدأ تلفزيون الكويت إنتاج الأفلام، ثم انتقل النشاط السينمائي الرسمي إلى وزارة الإعلام.

دار سينما الشرقية: أول صالة عرض تجارية في الكويت

في منتصف خمسينيات القرن الماضي تأسست شركة السينما الكويتية الوطنية، وتولت بناء دور العرض واستيراد الأفلام. كانت أولى صالاتها دار سينما الشرقية في منطقة شرق، وافتتحت بالفيلم المصري «أغلى من عينيه» من بطولة سميرة أحمد وإخراج عز الدين ذو الفقار. وتذكر صحيفة القبس أن هذه الدار انطلقت من بيت بالإيجار، وهي بداية متواضعة لشركة صارت بعد عقود أكبر مشغّل لدور السينما في الكويت.

بعد الشرقية توالت الدور في مناطق الكويت المختلفة. من أشهر الأسماء التي بقيت في ذاكرة الكويتيين سينما الحمراء في شرق، وقد قام برج الحمراء التجاري لاحقًا على الموقع نفسه، وسينما الأندلس في حولي التي هُدمت مع الزمن، إلى جانب سينما غرناطة وسينما الفردوس وغيرها. كانت هذه الصالات مقصد العائلات والشباب في عطلة نهاية الأسبوع، وكانت ليلة السينما مناسبة يُستعد لها.

سينما الأحمدي: الصالة التي نجت من الهدم

في منتصف ستينيات القرن الماضي افتتحت سينما الأحمدي في المدينة النفطية جنوب البلاد. اتسعت قاعتها لنحو ألف مشاهد، وفيها خشبة مسرح أسفل الشاشة، ومحال ومطاعم في واجهتها الخارجية. عرضت الأفلام بالأبيض والأسود ثم الملونة، وتنوعت بين الهندية والمصرية والأوروبية والأمريكية، وبلغت أوج شهرتها في السبعينيات والثمانينيات حين كانت تجمع الكويتيين والوافدين العاملين في قطاع النفط.

أُغلقت السينما مطلع الألفية الجديدة، لكن مبناها بقي قائمًا بعد أن اختفت معظم الدور القديمة. ووافق مجلس الوزراء لاحقًا على مشروع لترميمها مع سوق الأحمدي القديم، تشرف عليه شركة نفط الكويت بالتنسيق مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

ماذا كان يُعرض في دور السينما القديمة؟

اعتمدت الدور الكويتية على الأفلام المستوردة، فكانت الأفلام المصرية والأمريكية والهندية هي الغالبة، وكان لنجوم السينما المصرية جمهور واسع في الكويت. تتولى وزارة الإعلام رقابة الأفلام، وقد أنشأت إدارة خاصة لمراقبة السينما في مطلع الثمانينيات. يحذف الرقيب المشاهد والعبارات التي لا تناسب المجتمع، خصوصًا ما يمس الدين أو السياسة أو الآداب العامة أو العنف الشديد، وقد يُمنع عرض الفيلم كاملًا إن كثرت فيه هذه المشاهد. وما زالت هذه القاعدة قائمة بصورة أو بأخرى حتى اليوم.

المحاولات الروائية الأولى قبل «بس يا بحر»

سبقت الفيلمَ الروائي الطويل الأول تجاربُ أقصر. ففي منتصف الستينيات قدّم محمد السنعوسي فيلم «العاصفة»، الذي يُعد أول فيلم روائي قصير كويتي. وفي أواخر الستينيات أنتجت فرقة مسرح الكويت فيلم «سارة» ومدته نحو خمسين دقيقة، ويصعب تصنيفه فيلمًا طويلًا. هذه المحاولات مهّدت الطريق، لكن التحول الحقيقي جاء على يد مخرج شاب من منطقة شرق.

أول فيلم كويتي طويل: «بس يا بحر»

وُلد خالد الصديق في منطقة شرق ودرس في مدرسة الشرقية، ثم قضى سنوات في مدينة بومباي الهندية حيث تعلّم الإخراج السينمائي. وفي الستينيات أخرج للتلفزيون أعمالًا عدة، وصوّر أغنيات لعبد الحليم حافظ خلال زيارته للكويت.

في مطلع السبعينيات قدّم الصديق فيلم «بس يا بحر»، أول فيلم روائي طويل كويتي، وتعدّه مصادر كثيرة أول فيلم روائي طويل في الخليج كله. كتبه وأخرجه وأنتجه بنفسه، واستغرق تصويره أكثر من عام بتكلفة قاربت 125 ألف دينار، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك الوقت. صُوِّر بالأبيض والأسود ومدته ساعة و41 دقيقة، وكان الصديق يقول إنه أول فيلم عربي يُصوَّر تحت الماء.

قام ببطولته محمد المنصور وسعد الفرج وحياة الفهد وأمل بكر. ويحكي قصة شاب يغامر بالنزول إلى البحر بحثًا عن اللؤلؤ ليتزوج من يحب، في زمن كان فيه الغوص مصدر الرزق الأول وكانت قسوة البحر جزءًا من حياة كل بيت. حصد الفيلم تسع جوائز دولية بحسب جريدة الجريدة، منها الجائزة الأولى في مهرجان دمشق لسينما الشباب العربي، وجائزة في مهرجان البندقية، والهوغو الفضي في مهرجان شيكاغو، وجائزة تقديرية في مهرجان طهران. ورشّحته الكويت لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، فكان أول فيلم كويتي يُقدَّم للأكاديمية.

«عرس الزين» و«شاهين»: بقية ثلاثية خالد الصديق

بعد سنوات قليلة عاد الصديق بفيلم «عرس الزين»، المأخوذ عن رواية الأديب السوداني الطيب صالح، وصوّره في السودان. وهو أول فيلم كويتي ملوّن، ورشّحته الكويت هو الآخر للأوسكار، ونال جوائز في مهرجانات دولية، ولهذا نعاه مثقفون وفنانون سودانيون عند رحيله.

أما فيلمه الثالث «شاهين» فكان إنتاجًا مشتركًا كويتيًا هنديًا إيطاليًا، وصُوِّر في الهند، لكنه لم يصل إلى العرض الجماهيري بحسب شهادة بعض من شاركوا فيه. نال الصديق جائزة الدولة التقديرية، وكرّمته مهرجانات عربية عدة، وبقي يُلقّب بعرّاب السينما الكويتية حتى رحيله.

نادي الكويت للسينما

في أواخر السبعينيات تأسس نادي الكويت للسينما، وكان محمد السنعوسي أول رئيس لمجلس إدارته. بدأ النادي عروضه في قاعة غرفة تجارة وصناعة الكويت، وقدّم أفلامًا مختارة من السينما العالمية لجمهور يبحث عن شيء مختلف عن أفلام الصالات التجارية، وأقام ندوات ونقاشات بعد العروض جمعت المهتمين بالفن السابع.

سينما السيارات على الدائري السادس

من أطرف محطات تاريخ السينما في الكويت سينما السيارات على الطريق الدائري السادس، التي افتتحت في منتصف السبعينيات بفيلم «الصينيون قادمون». كانت الكويت حينها الدولة الخليجية الوحيدة التي تملك سينما يشاهد فيها الجمهور الفيلم من داخل سيارته، فيصطف الناس أمام الشاشة العملاقة ويسمعون الصوت عبر سماعات تُعلّق على نوافذ السيارات. وصارت سهرة السيارات طقسًا عائليًا وشبابيًا لجيل كامل. استمرت السينما قرابة ثلاثة عقود حتى أُغلقت مع بداية الألفية الجديدة، ثم هُدمت بعد سنوات.

من الصالات المستقلة إلى المجمعات التجارية

مع انتشار المجمعات التجارية في التسعينيات بدأت شركة السينما الكويتية الوطنية تنقل صالاتها إليها، فتراجعت الدور المستقلة القديمة واحدة بعد الأخرى، وهُدم أغلبها أو تحوّل إلى مشاريع تجارية. ثم جاءت مرحلة التقنية. أطلقت الشركة التذاكر الإلكترونية والحجز واختيار المقاعد عبر الإنترنت، ثم الدفع عبر كي نت بالهاتف المحمول، وكانت الكويت بذلك أول دولة في الشرق الأوسط وثاني دولة في العالم بعد أستراليا تتيح شراء تذاكر السينما بهذه الطريقة. وبعدها أطلقت الشركة علامتها التجارية سينسكيب التي يعرفها الجمهور اليوم.

توالت التقنيات الحديثة بعد ذلك. أدخلت سينسكيب العرض الرقمي، وافتتحت أول صالة IMAX في الكويت والشرق الأوسط، ثم صالات 4DX التي تتحرك فيها المقاعد مع أحداث الفيلم وتصاحبها مؤثرات الرياح والرذاذ، وصالات ScreenX التي يمتد فيها العرض على الجدران الجانبية بزاوية 270 درجة، ثم صالات Dolby Cinema بتقنيتي Dolby Atmos وDolby Vision، وتجربة ELEVEN الحصرية في مجمع الأفنيوز، إلى جانب المقاعد الفاخرة.

دخول شركات جديدة إلى السوق

بقيت شركة السينما الوطنية تنفرد بالسوق سنوات طويلة، إلى أن دخلت شركات أخرى مثل جراند سينما التي افتتحت صالاتها في مجمع الحمراء ومجمعات أخرى، وڤوكس سينما التابعة لمجموعة ماجد الفطيم في مجمع الأفنيوز، إلى جانب صالات أصغر مثل سكاي سينما في السالمية وأوزون سينما في خيطان. يمكنك قراءة التفاصيل في مقالنا عن شركات السينما في الكويت وعددها.

جيل جديد من صناع الأفلام الكويتيين

بعد «بس يا بحر» ظلت السينما الكويتية فترة طويلة أقرب إلى المحاولات الفردية. فلا توجد مؤسسة حكومية للإنتاج السينمائي، ولا صندوق دائم لدعم الأفلام، وكثير من الأعمال الأولى صُوّر بكاميرات الفيديو لا بخام السينما. ومن الأسماء التي واصلت المحاولة في تلك العقود هاشم محمد وبدر المضف وعبدالرحمن المسلم وحبيب حسين وعبدالله المخيال وعامر الزهير ونادرة السلطان.

في السنوات الأخيرة تغيّر المشهد. فقد حقق فيلما «حبيب الأرض» للمخرج رمضان خسروه و«العتر» إقبالًا جيدًا وبقيا أسابيع في دور العرض، وهو أمر نادر لفيلم محلي. وحصد فيلم «الجزء غير المفقود» للمخرج أحمد الخضري إحدى عشرة جائزة في مهرجانات دولية. أما فيلم الرسوم المتحركة القصير «عربة الفلافل» للمخرج عبدالله الوزان فكان أول فيلم كويتي يُختار رسميًا في مهرجان هيروشيما الدولي للرسوم المتحركة، وأول فيلم كويتي قصير يُقدَّم لجوائز الأوسكار، ثم فاز بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة قصير في مهرجان بربانك بولاية كاليفورنيا.

ولعبت المهرجانات المحلية دورًا مهمًا في هذه المرحلة. أطلق المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مهرجان الكويت السينمائي، وفي دورته الثانية التي اقتصرت على الأفلام الكويتية فاز فيلم «سرب الحمام» للمخرج رمضان خسروه بالمركز الأول في مسابقة الأفلام الطويلة. يروي الفيلم قصة مجموعة من المقاومين الكويتيين حوصروا أثناء الغزو العراقي وخُيّروا بين القتال والاستسلام، وشارك في بطولته داود حسين ومشاري المجيبل ومحمد أكبر وبشار الشطي. كما أطلقت وزارة الشباب مهرجان «عدسة» لدعم صناع الأفلام الشباب، وأطلقت الشيخة انتصار سالم العلي الصباح دورات احترافية لتدريب المواهب في التصوير والإخراج وكتابة السيناريو.

ورغم هذا الحراك ما زال صناع الأفلام يشكون من كثرة التصاريح المطلوبة للتصوير، وغياب صناديق الدعم، وتأثر كثير من الأفلام التجارية بأسلوب الدراما التلفزيونية. ويبقى الفيلم القصير هو الأكثر حضورًا في المهرجانات الدولية، بينما يحتاج الفيلم الطويل إلى منظومة إنتاج وتوزيع لم تكتمل بعد.

أسئلة شائعة عن تاريخ السينما في الكويت

ما هي أول دار سينما في الكويت؟

دار سينما الشرقية في منطقة شرق، وهي أول دار عرض تجارية مفتوحة للجمهور، وأسستها شركة السينما الكويتية الوطنية في خمسينيات القرن الماضي، وافتتحت بالفيلم المصري «أغلى من عينيه».

ما هو أول فيلم كويتي؟

فيلم «بس يا بحر» للمخرج خالد الصديق هو أول فيلم روائي طويل من إنتاج كويتي، وسبقه فيلم «العاصفة» لمحمد السنعوسي كأول فيلم روائي قصير.

ما هو أول فيلم كويتي ملوّن؟

فيلم «عرس الزين» لخالد الصديق، المأخوذ عن رواية الطيب صالح، وهو ثاني فيلم روائي طويل كويتي.

هل كانت في الكويت سينما سيارات؟

نعم، سينما السيارات على الدائري السادس، وكانت الوحيدة من نوعها في الخليج، وافتتحت بفيلم «الصينيون قادمون»، واستمرت نحو ثلاثين عامًا قبل إغلاقها وهدمها.

هل ما زالت دور السينما القديمة موجودة؟

هُدم أغلبها، مثل سينما الأندلس في حولي وسينما الحمراء التي قام مكانها برج الحمراء. أما سينما الأحمدي فما زال مبناها قائمًا، وهناك مشروع حكومي لترميمها.

من صاحب علامة سينسكيب؟

سينسكيب هي العلامة التجارية لشركة السينما الكويتية الوطنية، أقدم شركة سينما في البلاد.

رأيان حول “تاريخ السينما في الكويت من دار الشرقية إلى صالات IMAX”

أضف تعليق